الإطار القانوني وغرامات الفاتورة الإلكترونية في تونس
إن كانت الحلقة الأولى من هذه السلسلة قد أعطتك رؤية شاملة عن منظومة الفاتورة، فقد حان الوقت للتعمق في تفاصيل الإطار القانوني. ذلك أن الفاتورة الإلكترونية في تونس ليست مجرد توصية للحوكمة الجيدة — بل هي صرح تشريعي بُني على مدى عشر سنوات، بعقوبات باتت حقيقتها المالية ملموسة جداً. فهم النصوص القانونية يعني فهم مخاطرك الفعلية وهامش المناورة الذي لا يزال متاحاً لك.
العودة إلى المصادر: قانون المالية 2016 والمادة 22
يجد الالتزام بالفاتورة الإلكترونية في تونس أصله في قانون المالية لسنة 2016، الصادر بموجب القانون عدد 2015-53 المؤرخ في 25 ديسمبر 2015. وضعت مادته الثانية والعشرون مبدأ إلزامية الفاتورة الإلكترونية للمؤسسات الخاضعة لضريبة الشركات والأداء على القيمة المضافة، بما يتجاوز حدوداً معينة من رقم المعاملات.
كان النطاق الأولي محدوداً عمداً بـالشركات الكبرى — تلك التي تُبرر حجم معاملاتها تقنياً واقتصادياً الاستثمار في الرقمنة. كانت الفكرة الانطلاق من قمة الهرم والنزول تدريجياً، مستندةً إلى التأثير التبعي للمُوكِّلين على مورديهم ومقاوليهم الفرعيين.
غير أن هذا النص كان يعاني من ثغرة هيكلية: فقد حدد الالتزام دون أن يُحدد آلية العقوبة عند المخالفة. طوال ما يقارب تسع سنوات، ظلت المادة الثانية والعشرون التزاماً بلا أسنان — كان بمقدور المؤسسات المعنية، دون عواقب فورية، مواصلة إصدار الفواتير الورقية.
وهذه الثغرة هي ما عملت قوانين المالية اللاحقة على سدّها تدريجياً.
قانون المالية 2025: تفعيل منظومة العقوبات
يُمثل قانون المالية 2025 القطيعة الحقيقية في مسيرة الفوترة الإلكترونية التونسية. فللمرة الأولى، أرسى جدولاً صريحاً وقابلاً للتطبيق للغرامات، يسري اعتباراً من الأول من يوليو 2025.
لم يكن اختيار الأول من يوليو اعتباطياً: فهو منح المؤسسات ستة أشهر إضافية للتنظيم بعد صدور القانون في نهاية 2024، مع إرسال إشارة واضحة بأن التساهل الإداري له تاريخ انتهاء.
ميّز آليةُ العقوبات التي رسمها قانون المالية 2025 بين عدة فئات من المخالفات، بمبالغ مُدرجة بحسب جسامة الإخلال. أُكد هذا الإطار الرادع وضُبط في النصوص اللاحقة.
قانون المالية 2026: التوسع نحو قطاع الخدمات
يتضمن قانون المالية 2026، الصادر في أواخر ديسمبر 2025، مادتين بالغتَي الأهمية بالنسبة للمؤسسات التونسية.
المادة 53 توسع رسمياً نطاق الالتزام ليشمل جميع مزودي الخدمات الخاضعين للأداء على القيمة المضافة، بأثر من الأول من يناير 2026. يُمثّل هذا التوسع قطيعة نوعية: كانت المنظومة حتى الآن تستهدف أساساً المعاملات المتعلقة بالسلع المادية. والآن، تدخل شركات الخدمات — من مكاتب الاستشارات إلى الوكالات الرقمية، ومن مكاتب الدراسات إلى شركات التكوين — في النطاق بنفس التزامات المؤسسات الصناعية والتجارية.
المادة 71 تُحدد شروط تطبيق الغرامات للفئات المستحدثة وتُوحّد جدول العقوبات على كامل الطيف المشمول. كما تُدخل أحكاماً خاصة بمعاملات النقل، وهي فئة كانت تطرح إشكاليات خاصة على صعيد تدفق الوثائق.
يجعل تضافر هاتين المادتين من 2026 سنة التعميم الفعلي للفاتورة الإلكترونية في تونس لقطاع العلاقات بين المؤسسات B2B.
المذكرة المشتركة 02-2026: التوضيحات الإدارية
لا يكفي القانون وحده للإجابة على جميع التساؤلات التشغيلية. جاءت المذكرة المشتركة رقم 02-2026 التي نشرتها المديرية العامة للجباية في يناير 2026 لتوفير التوضيحات اللازمة حول عدة نقاط كانت تُبقي المؤسسات ومستشاريها في حالة من الغموض.
تتناول المذكرة المشتركة على وجه الخصوص:
تعريف "مزود الخدمات" في سياق المادة 53. توضح فيها المديرية العامة للجباية رموز النشاط المعنية وتُحسم الحالات الحدية — المؤسسات ذات النشاط المختلط (بيع سلع وتقديم خدمات)، الجمعيات ذات الطابع الربحي، الفروع التونسية للمجموعات الأجنبية.
شروط الفترة الانتقالية للمؤسسات المستحدثة بموجب قانون المالية 2026. تُقر المذكرة بضرورة منح مهلة تكيّف وتُحدد الشروط التي يمكن فيها للمؤسسة التذرع بكونها في طور الامتثال — وهو ما لا يُعفيها من الالتزام لكنه يُمكن أن يُعدّل التقدير في الغرامات عند الرقابة.
معالجة الفواتير الصادرة قبل وبعد الأول من يناير 2026 للخدمات المُمتدة على طرفَي السنة — وهو سؤال عملي مهم للعقود متعددة السنوات وحالات الفوترة المؤجلة.
متطلبات محتوى الفواتير الإلكترونية، مع تحديد الحقول الإلزامية وصيغتها المطلوبة والحالات الخاصة (الفواتير الدائنة، الفواتير الأولية، عروض الأسعار ذات الطابع التعاقدي).
جدول الغرامات: ما الذي تخاطر به فعلياً
هذا هو الجزء الذي يجب على كل مسير وكل مدير مالي استيعابه جيداً. الغرامات المنصوص عليها في المنظومة الموحدة ليست رمزية — فهي مُصممة لردع سلوكيات التحايل وجعل عدم الامتثال أكثر كلفة اقتصادية من الامتثال.
إصدار فاتورة ورقية عوضاً عن فاتورة إلكترونية
هذه هي الحالة الأبسط والأكثر شيوعاً في مرحلة الانتقال. تتعرض مؤسسة خاضعة للالتزام وتواصل إصدار فواتير ورقية عوضاً عن إرسالها عبر منصة الفاتورة لـغرامة تتراوح بين 100 و500 دينار للفاتورة الواحدة، بحد أقصى 50 ألف دينار للسنة الجبائية.
الحساب سريع بالنسبة لمؤسسة تُصدر عدة مئات من الفواتير شهرياً: سقف الخمسين ألف دينار قد يُبلغ سريعاً، غير أن ما يجب أن يُنبّه هو أن هذا السقف يتجدد في كل سنة جبائية — وهو لا يُشكّل درعاً نهائياً.
فاتورة إلكترونية غير مطابقة للمواصفات التقنية
فاتورة مُرسلة عبر منصة الفاتورة لكنها لا تستوفي مواصفات الصيغة أو المحتوى التي حددتها المديرية العامة للجباية تُعامَل كمخالفة مستقلة. الغرامة في هذه الحالة تتراوح بين 250 و10 آلاف دينار. هذا الهامش الأوسع يعكس التدرج بين عدم مطابقة بسيطة (حقل مُصاغ خطأً) وعدم مطابقة جوهرية (غياب توقيع إلكتروني صالح، أو التلاعب بالبيانات).
إغفال معلومات إلزامية
يجب أن تتضمن الفواتير الإلكترونية جملة من البيانات القانونية والتقنية المحددة تنظيمياً. يُعاقب إغفال أو عدم دقة هذه المعلومات — المعرف الجبائي للعميل، التسمية الدقيقة للخدمة، معدل الأداء على القيمة المضافة المطبق، مرجع الطلبية عند الاقتضاء — بغرامة تتراوح بين 250 و50 ألف دينار.
قد يبدو السقف الأعلى البالغ 50 ألف دينار على البيانات المفقودة غير متناسب مع "سهو" إداري. في الواقع، يستهدف المُشرع هنا حالات يُستخدم فيها إغفال المعلومات وسيلةً للتحسين الجبائي الإفراطي أو إخفاء المعاملات.
المخالفات المتعلقة بنقل البضائع
بالنسبة لمؤسسات قطاع النقل والخدمات اللوجستية وشاحني البضائع، تنص المنظومة على عقوبات محددة. يُفضي غياب وثيقة نقل إلكترونية مطابقة إلى غرامة تُحسب على أساس 20% من قيمة البضائع المنقولة، بحد أدنى 500 دينار.
هذه الطريقة الحسابية النسبية وفق قيمة البضائع ثقيلة بشكل خاص على شركات الخدمات اللوجستية التي تتعامل مع بضائع ذات قيمة مرتفعة. ويترتب عليها جعل المخالفة الوثائقية مرتبطة مباشرة بالرهان الاقتصادي للمعاملة — وهذا هو منطق العقوبة الرادعة بعينه.
التكرار: عامل المضاعفة
تنص المنظومة على مضاعفة الغرامات في حالة التكرار خلال أجل سنتين. تحوّل هذه القاعدة المخالفة المتكررة إلى انكشاف مالي سريعاً ما يخرج عن السيطرة. مؤسسة تتلقى إنذاراً أو عقوبة أولى ولا تُعالج وضعها ترى آلياً مخاطرها المستقبلية تتضاعف.
يُقدَّر مفهوم التكرار في السياق الجبائي التونسي مخالفةً بمخالفة: نفس صنف الإخلال متكرر في نافذة السنتين يُفعّل المضاعفة. المخالفات المختلفة الطبيعة المرتكبة في الفترة ذاتها لا يكون لها أثر تراكمي تلقائي على هذه النقطة.
الإعفاءات والحالات الخاصة
لا تُصمَّم المنظومة للتطبيق الآلي على جميع الحالات دون تمييز. عدة إعفاءات وحالات خاصة تستحق الاهتمام.
المؤسسات المصغرة والأنظمة الجزافية خارج نطاق الإلزام في المرحلة الحالية. الأشخاص الطبيعيون الخاضعون للنظام الجزافي أو المبسط غير مُلزمون بمنظومة الفاتورة. هذا إعفاء جوهري يحمي الهياكل الصغيرة جداً من الأعباء التقنية والإدارية للمنظومة.
المعاملات B2C (البيع للمستهلكين الأفراد غير الخاضعين للأداء على القيمة المضافة) تخضع لنظام مخفف. لا ينطبق الالتزام بالإرسال عبر منصة الفاتورة بنفس الشروط على الفواتير للأفراد، وإن كانت بعض متطلبات المحتوى الدنيا تبقى سارية.
عمليات التصدير تحظى بمعاملة خاصة، إذ تجعل قواعد الفوترة الدولية وقيود INCOTERMS التطبيق الصارم لصيغة الفاتورة معقداً تقنياً في بعض الحالات.
العقود طويلة الأمد تطرح سؤالاً عملياً مهماً: حين أُبرم عقد خدمات متعدد السنوات قبل دخول الالتزام حيز التنفيذ، هل يجب أن تستوفي الفواتير المُصدرة تنفيذاً لهذا العقد الصيغة الجديدة؟ الجواب نعم بالنسبة للفواتير الصادرة بعد الأول من يناير 2026، بصرف النظر عن تاريخ إبرام العقد. توضح المذكرة المشتركة 02-2026 هذه النقطة دون غموض.
العقود مقابل الفواتير: متى يمكن للعقد أن يُعوّض الفاتورة؟
هذا سؤال تطرحه باستمرار المؤسسات التي تُؤطّر علاقتها التجارية بعقد مفصل مع مراحل دفع محددة. في القانون الجبائي التونسي، لا يُعوّض العقد الفاتورة — كلا الوثيقتين موجودان معاً ويُوفيان وظائف مختلفة.
يُرسي العقد العلاقة التجارية والتزامات الطرفين وشروط التسليم وطرق السداد. أما الفاتورة فهي التي تُثبت حقيقة الخدمة المُنجزة أو السلعة المُسلّمة وتُشكّل الوثيقة الجبائية التي تُجيز خصم الأداء على القيمة المضافة للمشتري الخاضع للضريبة.
حاول بعض القطاعات التذرع بأن كشوف الأتعاب الدورية المُعدَّة في إطار عقد وكالة أو تأهيل يمكن أن تُعدّ فوترة إلكترونية مبسطة. لم تقبل المديرية العامة للجباية بهذا الموقف: متى أفضت المعاملة إلى أداء على القيمة المضافة قابل للخصم لدى العميل، تُشترط فاتورة إلكترونية مطابقة.
في المقابل، بالنسبة للـسلف والدفعات المنصوص عليها في العقد وغير المقابلة بعد لتسليم أو خدمة نهائية، يختلف توقيت الالتزام باختلاف الحالات. هذه النقطة بالذات موضع أسئلة متكررة لدى المديرية العامة للجباية وتستحق استشارة خاصة بحسب قطاعك.
مقترحات برلمانية: نحو تأجيل الغرامات إلى يناير 2027؟
للواقع السياسي والاقتصادي أيضاً كلمة في هذا الملف. تقدم عدد من البرلمانيين خلال يناير 2026 بتعديلات ومقترحات ترمي إلى تأجيل التطبيق الفعلي للغرامات إلى الأول من يناير 2027 بالنسبة للمؤسسات المستحدثة بموجب قانون المالية 2026.
الحجة المُقدَّمة براغماتية: لم تُفتح بوابة الانتساب إلا في الخامس عشر من فبراير 2026، أي بعد ستة أسابيع من الدخول النظري للالتزام حيز التنفيذ. بالنسبة لمؤسسات الخدمات التي تكتشف خضوعها للالتزام وتحتاج إلى الحصول على شهادات TUNTRUST وتدريب فرقها وربما تكييف برامجها، فإن مهلة استرداد اثني عشر شهراً إضافية تتيح انتقالاً منظماً بدلاً من امتثال مُرتجل.
في تاريخ نشر هذا المقال، لم تُفضِ هذه المقترحات بعد إلى تعديل تشريعي رسمي. الالتزام ساري المفعول بالكامل منذ الأول من يناير 2026، والغرامات قابلة للتطبيق من الناحية التقنية. غير أن موقف المديرية العامة للجباية من الرقابة الفعلية على مؤسسات الخدمات المستحدثة في 2026 يبقى موضع متابعة — إذ قد تُتيح التعليمات الداخلية للإدارة، من الناحية العملية، فترة تسامح غير مُقنّنة.
ما نوصي به: لا تعوّل على تسامح ضمني. يجب الشروع فوراً في الامتثال، مع توثيق مسار انتسابك بعناية إن كنت في طور الإجراءات. هذا التوثيق يمكن أن يُشكّل عنصر تخفيف مفيداً عند الرقابة خلال الفترة الانتقالية.
التدابير الانتقالية الرسمية: ما ينص عليه الإطار القانوني فعلاً
بمعزل عن النقاشات البرلمانية، تنص النصوص السارية على بعض تدابير المرافقة.
اعترفت المديرية العامة للجباية رسمياً، عبر المذكرة المشتركة 02-2026، بأن المؤسسات المستحدثة تستفيد من فترة تكيف لإتمام انتسابها على المنصة. خلال هذه الفترة، المؤسسة القادرة على إثبات انطلاقها في إجراءات الانتساب (تأكيد التسجيل على adhesion.elfatoora.tn، طلب شهادة قيد المعالجة لدى TUNTRUST) ستُعتبر حسنة النية.
حسن النية هذا لا يُلغي الالتزام لكنه قد يُؤثر في تقدير الغرامات من قِبل عوامل الرقابة. في القانون الجبائي التونسي، حسن النية المُصرَّح به والموثق يمكن أن يُفضي إلى تطبيق الحدود الدنيا للجدول عوضاً عن الحدود القصوى.
ما يلي في هذه السلسلة
أعطاك هذا الحلقة الثانية الأسس القانونية وبانوراما المخاطر المالية. تواصل السلسلة بمحتوى أكثر تشغيلية:
- الحلقة 3 — الدليل التقني للتكامل مع الفاتورة: الصيغ، والواجهات البرمجية، والموصلات البرمجية
- الحلقة 4 — كيف تختار حل الفوترة الإلكترونية المناسب بحسب حجم مؤسستك وقطاعها
اعثر على كامل السلسلة والنصوص الرسمية القابلة للتحميل في مساحة الموارد المخصصة للفاتورة الإلكترونية.
ملاحظة المؤلف: المعلومات الواردة في هذا المقال تعكس وضع القانون في 22 فبراير 2026. الإطار التنظيمي للفاتورة الإلكترونية في تونس في تطور مستمر. استشر المديرية العامة للجباية أو مستشاراً جبائياً لأي قرار يُلزم مؤسستك.
ناقش مشروعك معنا
نحن هنا للمساعدة في احتياجات تطوير الويب الخاصة بك. حدد موعدًا لمناقشة مشروعك وكيف يمكننا مساعدتك.
دعنا نجد أفضل الحلول لاحتياجاتك.